الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
109
مناهل العرفان في علوم القرآن
أما إذا كان الاختلاف دائرا بين عبارتين أو عبارات ليس شئ منها نصّا ، كان يقول بعض المفسرين : نزلت هذه الآية في كذا . ويقول الآخر : نزلت في كذا « ثم يذكر شيئا آخر غير ما ذكره الأول » ، وكان اللفظ يتناولهما ، ولا قرينة تصرف إحداهما إلى السببية ، فإن الروايتين كلتيهما تحملان على بيان ما يتناوله اللفظ من المدلولات . ولا وجه لحملهما على السبب . وأما إذا كان الاختلاف دائرا بين عبارتين أو عبارات كلها نصّ في السببية ، فهنا يتشعّب الكلام . ولنفرده بعنوان : 5 - تعدّد الأسباب والنازل واحد إذا جاءت روايتان في نازل واحد من القرآن ، وذكرت كلّ من الروايتين سببا صريحا غير ما تذكره الأخرى ، نظر فيهما . فإما أن تكون إحداهما صحيحة ، والأخرى غير صحيحة . وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ولكن لإحدهما مرجّح دون الأخرى . وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ، ولا مرجّح لإحداهما على الأخرى ، ولكن يمكن الأخذ بهما معا . وإما أن تكون كلتاهما صحيحة ، ولا مرجّح ، ولا يمكن الأخذ بهما معا . فتلك صور أربع ، لكلّ منها حكم خاصّ نسوقه إليك : « أما الصورة الأولى » - وهي ما صحّت فيه إحدى الروايتين دون الأخرى - فحكمها الاعتماد على الصحيحة في بيان السبب . وردّ الأخرى غير الصحيحة . مثال ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب قال : « اشتكى النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلّا قد تركك » فأنزل اللّه : « وَالضُّحى ، وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » . وأخرج الطبرانىّ وابن أبي شيبة ، عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها وكانت